ابن تيمية
26
مجموعة الرسائل والمسائل
وقد يكون منقطعاً لا سيما إذا كان زمناً يسيراً فيستعمل الباطل كثيراً بإزاء ما لا يبقى من المنفعة ، وبإزاء ما لا يدوم من الوجود ، كما يقال الموت حق والحياة باطل وحقيقته أنه يستعمل بإزاء ما ليس من المنافع خالصاً أو راجحاً كما تقدم القول فيه فيما يزهد فيه ، وهو ما ليس بنافع ، والمنفعة المطلقة هي الخالصة أو الراجحة ، وأما ما يفوت أرجح منها أو يعقب ضرراً ليس هو دونها فإنها باطل في الاعتبار والمضرة أحق باسم الباطل من المنفعة . وأما ما يظن فيه منفعة وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال ، فهذه الأمور التي يشرع الزهد فيها وتركها وهي باطل ، ولذلك ما نهى الله عنه ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملاً على منفعة خالصة أو راجحة . ولهذا صارت أعمال الكفار والمنافقين باطلة لقوله ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ) الآية . أخبر أن صدقة المرائي والمنان باطلة لم يبق فيها منفعة له ، وكذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) وكذلك الإحباط في مثل قوله ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) ولهذا تسميه الفقهاء العقود . والعبادات بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده ولم يترتب عليه أثره ، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه ، ومن هذا قوله ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ) الآية وقوله ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) وقوله ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ولذلك وصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة ليست مطابقة ولا حقاً كما أن الأعمال ليست نافعة . وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة إن لم يكن فيها منفعة كقوله صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع " فيعود الحق فيما